ابن خلدون
18
رحلة ابن خلدون
بعسكره ، ويسارع إلى مصر للحفاظ على ملكه ، تاركا دمشق تحت الحصار . وإذا كانت واقعة سقوط هذه المدينة العظيمة تحت سيوف التّتار هي واحدة من الوقائع الأكثر شؤما في تاريخها ، لما شهدته خلال ذلك من فظائع تقشعرّ لها الأبدان ، فإنّ هذه المصادفة ستشكّل علامة فارقة في حياة ابن خلدون . ولعلّ هذا العلامة الكبير ما كان ليخطر في باله يوما أن يلعب دور الوسيط بين المدينة وتيمور لنك الذي نصب خيمته تحت أسوارها وضرب الحصار عليها ، فدافعت المدينة عن نفسها متّحدة إلى أن بدأت بوادر الفرقة تدبّ بسبب خلاف بين القلعة المدافعة عنها وبعض القضاة الذين يئسوا من إمكان استمرار المدينة في الصمود ، إثر انسحاب السلطان الناصر فرج منها ، وخافوا على أنفسهم وعلى رعاياهم من مذبحة لا تبقي أحدا في دمشق ، فآثروا تسليم المدينة . لكنّ أهل القلعة رفضوا الاستسلام لتيمور لنك وعساكره وقرّروا مواصلة الدفاع . هنا يبرز دور ابن خلدون الذي طلب من القضاة الذين اجتمعوا في مدرسة العادلية ، وشكّلوا بحضوره وفدا للقاء تيمور ، وبحث صيغة الاستسلام ، أن يساعدوه على الخروج معهم . وبالفعل ، فإنّ ابن خلدون سيتدلّى من السور ويخرج من المدينة المحاصرة بعد عودة الوفد من اللقاء الأول له مع تيمور . رأس الوفد القاضي برهان الدين بن إبراهيم بن محمد بن مفلح ، وكان يجيد إلى جانب اللغة العربية ، اللغتين التركية والفارسية . يذكر ابن خلدون في يوميّاته عن هذه المحنة أنه خلال اللقاء الذي دار بين القضاة الدمشقيين وتيمور سأل الأخير عن ابن خلدون بالاسم ، وما إذا كان فرّ مع الفارّين إلى القاهرة أم بقي في المدينة ؟ فقيل له : لا ، لم يخرج ، وهو موجود في المدرسة العادليّة حيث يقيم . ويذكر ابن خلدون أن تيمور أحسن لقاء الوفد ، وكتب له الرّقاع بالأمان ، وردّ أعضاءه إلى المدينة بوعود وآمال عراض ، إذا ما أمكنهم إقناع المدافعين بالكفّ عن الأعمال الحربيّة وفتح الأبواب لجيشه . في تلك الليلة بات ابن خلدون على أهبة الخروج للقاء تيمور لنك ، ولما علم المدافعون عن المدينة بأخبار الوفد والمفاوضات دارت سجالات واسعة بين الدّاعين إلى الصّمود والقتال ، وبين القائلين بالاستسلام . ووقعت شجارات يذكر المؤرخ أحدها